فصل: سبب النزول:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: روائع البيان في تفسير آيات الأحكام



.المعنى الإجمالي:

يقول جل ثناؤه ما معناه: يا أيها المؤمنون الذين صدقوا بالله ورسوله وأيقنوا بشريعة الله نظاماً، ودستوراً، ومنهاجاً، ليستأذنْكم في الدخول عليكم هؤلاء العبيد والإماء الذين تملكونهم بملك اليمين، والأطفال الذين لم يبلغوا مبلغ الرجال من الأحرار فلا يدخلوا عليكم في هذه الأوقات الثلاثة (وقت الفجر) و(وقت العشاء) إلا بإذن منكم لأن هذه الأوقات أوقات خلودكم إلى النوم والراحة، وهي أوقات يختل فيها تستركم، والتكشف فيها غالب، فعلّموا عبيدكم وخدمكم وصبيانكم ألاّ يدخلوا عليكم في مثل هذه الأوقات إلا بعد الاستئذان، وأما في غير هذه الأوقات فلا إثم ولا حرج عليكم ولا عليهم في الدخول بغير إذن، لأنهم يقومون على خدمتكم والله لا يكلفكم ما فيه حرج أو ضيق عليكم، لأن تشريعه من أجل صالحكم وهو جل وعلا العليم الحكيم.
وأما إذا بلغ هؤلاء الأطفال مبلغ الرجال فعلموهم الأدب السَّامي ألاّ يدخلوا عليكم إلا بعد الاستئذان كما أُمر الكبارُ من قبل، وذلك هو أدب الإسلام الذي ينبغي أن يتمسك به المؤمنون، وأما النساء العجائز اللاتي لا يرغبن في الزواج ولا يطمع فيهن الرجال لكبرهن وقد انعدمت فيهن دوافع الشهوة والفتنة والإغراء، فلا حرج ولا جناح عليهن أن يضعن بعض ثيابهن كالرداء والجلباب ويظهَرْنَ أمام الرجال بملابسهنَّ المعتادة التي لا تلفت انتباهاً، ولا تثير شهوة.
وإذا بالغن في التستر والتعفف ولبسن الجلباب الذي تلبسه الشابات من النساء فذلك خير لهن وأكرم، وأزكى عند الله وأطهر، والله يعلم خفايا النفوس، ومجازٍ كلّ إنسانٍ على ما قدَّم فاتقوه واجتنبوا سخطه وعقابه.

.سبب النزول:

أولاً: روي ان أسماء بنت أبي مرثد دخل عليها غلام كبير لها في وقت كرهت دخوله فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن خدمنا وغلماننا يدخلون علينا في حال نكرهها فأنزل الله تعالى: {يا أيها الذين ءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ الذين مَلَكَتْ أيمانكم...} الآية. وروي عن مقاتل بن حيّان أنه قال: بلغنا أن رجلاً من الأنصار وامرأته (أسماء بنت أبي مرثد) صنعا للنبي صلى الله عليه وسلم طعاماً، فقالت أسماء: يا رسول الله ما أقبح هذا؟ إنه ليدخل على المرأة وزوجها غلامهما وهما في ثوب واحد بغير إذن، فأنزل الله في ذلك هذه الآية يعني بها العبيد والإماء.
ثانياً: وروي ان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث غلاماًمن الأنصار يقال له (مُدْلج) إلى عمر بن الخطاب وقت الظهيرة ليدعوه فوجده نائماً، قد أغلق عليه الباب فدقّ عليه الغلام الباب فناداه ودخل فاستيقظ عمر وجلس فانكشف منه شيء، فقال عمر (وددت أنّ اللَّهَ نهى أبناءنا ونساءنا، وخدمنا عن الدخول في هذه الساعات إلاّ بإذن) ثم انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد هذه الآية قد أنزلت فخرّ ساجداً شكراً لله تعالى.
قال الألوسي: وهذا احد موافات رايه الصائب رضي الله عنه للوحي.
ثالثاً: وروى ابن أبي حاتم عن السدي أنه قال: كان أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبهم أن يواقعوا نساءهم في هذه الساعات، فيغتسلوا ثم يخرجوا إلى الصلاة فأمرهم الله تعالى أن يأمروا المملوكين والغلمان أن لا يدخلوا عليهم في تلك الساعات إلا بإذن فذلك قوله تعالى: {يا أيها الذين ءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ...} الآية.

.لطائف التفسير:

اللطيفة الأولى: قوله تعالى: {مِنكُمْ} يدل على أن المراد به الأطفال من الأحرار، لأن الله سبحانه قد ذكر العبيد والإماء بقوله: {مَلَكَتْ أيمانكم} ثم عقّب ذلك بقوله (منكم) فدلت هذه المقابلة على أن المراد به الصغار من الأحرار.
اللطيفة الثانية: قوله تعالى: {ثلاث مرات} ليس المقصود الاستئذان ثلاث مرات، وإنما المراد به في (ثلاثة أوقات) بدليل ذكره تعالى الأوقات بعدها (الظهيرة، العشاء، والفجر) وهي أوقات الراحة والنوم. قال أبو السعود: والتعبير عن (الأوقات) بالمرات للإيذان بأنّ مدار وجوب الاستئذان مقارنة تلك الأوقات لمرور المستأذنين بالمخاطبين لا أنفسها.
اللطيفة الثالثة: قوله تعالى: {وَحِينَ تَضَعُونَ ثيابكم مِّنَ الظهيرة} صرّح تعالى في هذا الوقت بخلع الثياب وهو وقت القيلولة وعبّر بقوله: (حين) للإشارة بقلة زمانها ولم يذكر وضع الثياب في الوقتين الآخيرين (العشاء) و(الفجر) وفي ذلك إشارة إلى أن أ مرهما ظاهر بيّن لا يحتاج إلى تصريح، فإذا كان وقت الظهيرة لا يحل الدخول فيه إلا بعد الاستئذان فوقت العشاء والفجر من باب أولى، لأنهما وقت الخلود إلى الراحة والنوم، والتكشفُ فيهما غالب.
اللطيفة الرابعة: قوله تعالى: {ثلاث عورات لَّكُمْ} إطلاق (العورات) على الأوقات الثلاثة التي يكثر فيها التكشف (للمبالغة) حتى كأن هذه الأوقات هي نفسها عورات، والجملة مسوقة لبيان علة (وجوب الاستئذان) فكأن الله تعالى يقول هذه هي أوقات ظهور العورات فلا تدخلوا إلا بعد الاستئذان وفي التعبير من المبالغة ما فيه.
اللطيفة الخامسة: قوله تعالى: {والقواعد مِنَ النسآء} المراد بها العجائز كما أسلفنا قال ابن قتيبة: سميت العجائز قواعد لأنهن يكثرن من القعود في البيت لكبر سنهن قال الشاعر:
أُطوِّفُ ما أطوّف ثم آوي ** إلى بيت قعيدته لَكَاع

وقال ابن ربيعة: سميت العجائز قواعد لقعودهن عن الاستمتاع حيث أيسن ولم يبق لهن طمع في الأزواج، ويدل عليه قوله تعالى: {اللاتي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً}.
اللطيفة السادسة: قوله تعالى: {أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ} ليس المقصود بذلك أن يضعن جميع ثيابهن وإنما المراد بعضها كالجلباب والرداء وهي الثياب الظاهرة التي لا يفضي وضعها لكشف العورة، فهو من باب (إطلاق الكل وإرادة الجزء) ويسميه علماء البلاغة (المجاز المرسل).
اللطيفة السابعة: قوله تعالى: {وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ} قال بعض العلماء: (إذا كان استعفاف العجائز عن وضع الثياب خيراً لهن فما ظنك بذوات الزينة من الشواب؟ وأبلغ من هذا أن التستر والتحفظ إذا كان مطلوباً من القواعد فكيف بالكواعب)؟!
والمرأة ولو كانت عجوزاً لا تشتهي فإنّ بعض النفوس قد تميل إليها وتشتهيها ولهذا ينبغي لها الاستعفاف. وفي الأمثال (لكل ساقطة لاقطة) وقد قال الشاعر في هذا المعنى:
لكل ساقطةٍ في الحي لاقطة ** وكلّ كاسدةٍ يوماً لها سوق

.الأحكام الشرعية:

الحكم الأول: من المخاطب في الآية الكريمة؟
ظاهر قوله تعالى: {يا أيها الذين ءَامَنُواْ} أنه خطاب للرجال، وقد قال المفسرون: إنّ الآية نزلت في (أسماء بنت أبي مرثد) فيكون المراد فيها (الرجال والنساء) لأن التذكير يغلب التأنيث.
ودخولُ سبب النزول في الحكم قطعي كما هو الراجح في الأصول فيكون الخطاب للرجال والنساء بطريق (التغليب).
وقال الفخر الرازي: والأولى عندي أن الحكم ثابت في النساء بقياس جلي وذلك لأن النساء في باب حفظ العورة أشد حالاً من الرجال، فهذا الحكم لمَّا ثبت في الرجال فثبوتهُه في النساء بطريق الأولى، كما أنَّا نثبت حرمة الضرب بالقياس الجلي على حرمة التأفيف.
وقال أبو السعود: والخطاب إما للرجال خاثة، والنساءُ داخلات في الحكم بدلالة النص أو (للفريقين) جميعاً بطريق التغليب.
أقول: اختار بعض المفسرين رأياً آخر خلاصته: أن قوله تعالى: {يا أيها الذين ءَامَنُواْ} ليس خطاباً للذكور بطريق التغليب وإنما هو خطاب لكل من اتصف بالإيمان رجلاً كان أن امرأة فيدخل فيه (الرجال والنساء) معاً ويكون المعنى يا من اتصفتم بالإيمان وصدقتم الله ورسوله ليستأذنْكم في الدخول عليكم عبيدكم وإماؤكم.. إلخ، ولعل هذا الرأي أوجه فكل نداء بالإيمان يراد منه الوصف فيشمل الذكور والإناث والله أعلم.
الحكم الثاني: ما المراد بقوله: {مَلَكَتْ أيمانكم} في الآية الكريمة؟
المراد به (العبيد والإماء) وظاهر قوله تعالى: {الذين مَلَكَتْ أيمانكم} أن الحكم خاص بالذكور، سواء أكانوا كباراً أم صغاراً، وبهذا الظاهر قال ابن عمر ومجاهد.
والجمهور على أنه عام في (الذكور والإناث) من الأرقاء الكبار منهم والصغار وهو الصحيح الذي اختاره الطبري وجمهور المفسرين.
فكما أن الأطفال الصغار لا يحسن دخولهم بدون استئذان على الكبار في أوقات الخلوة، فكذلك لا يحسن دخول الخادم الأنثى، لأن هذه الأوقات أوقات تكشُّف في الغالب، والإنسان كما يكره اطلاع الذكور على أحواله فقد يكره اطلاع النساء عليها كذلك.
قال ابن جرير الطبري: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال عني به (الذكور والإناث) لأن الله عمّ بقوله: {الذين مَلَكَتْ أيمانكم} جميع أملاكِ أيماننا ولم يخصص منهم ذكراً ولا أنثى فذلك على جميع من عمّه ظاهر التنزيل.
الحكم الثالث: كيف يخاطب الصغار ولا تكليف قبل البلوغ؟
الخطاب وإن كان ظاهره للصغار الذين لم يبلغوا الحلم، إلا أنَّ المراد به الكبار، فقد أمر الله الرجال أن يعلِّموا مماليكهم وخدمهم وصبيانهم، ألاّ يدخلوا عليهم إلا بعد الاستئذان، فهو في (الظاهر) متوجه للصغار وفي (الحقيقة) للمكلفين الكبار، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر» وكقولك: للرجل: لِيَخَفْك أهلُكَ وولَدُك، فظاهر الأمر لهم وحقيقةً الأمر له بفعل ما يخافون عنده.
الحكم الرابع: هل الاستئذان على سبيل الوجوب أو الندب؟
ظاهر الأمر في قوله تعالى: {لِيَسْتَأْذِنكُمُ} أنه للوجوب وبهذا الظاهر قال بعض العلماء. والجمهورُ على أنه أمر (استحباب وندب) وأنه من باب (التعليم والإرشاد) إلى محاسن الآداب. فالبالغُ يستأذنُ في كلّ وقت، والطفل والمملوك يستأذنان في العورات الثلاث.
وقد رُويَ عن ابن عباس أنه قال: (آيةٌ لا يؤمنُ بها أكثر الناس: آية الإذن، وإني لآمر جاريتي أن تستأذن علي) وأشار إلى جارية عنده صغيرة.
والآية محكمة لم ينسخها شيء على رأي الجمهور، وزعم بعضهم أنها منسوخة لأن عمل الصحابة والتابعين في الصدر الأول كان جارياً على خلافه. وقال آخرون: إنما كان هذا في العصر الأول لأنه لم تكن لهم أبواب تغلق ولا ستور تُرْخى واستدلوا بما رواه عكرمة أن نفراً من أهل العراق قالوا: يا ابن عباس: كيف ترى هذه الآية التي أُمِرْنا فيها بما أُمِرْنا، ولا يعمل بها أحد؟ قوله تعالى: {يا أيها الذين ءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ...}.
قال ابن عباس: (إنّ الله حليم رحيم بالمؤمنين، يحب الستر، وكان الناس ليس لبيوتهم سترٌ ولا حجاب، فربما دخل الخادم، أو الولد، أو يتيمة الرجل، والرجلُ على أهله، فأمرهم الله بالاستئذان في تلك العورات، فجاءهم الله بالستور والخير فلم أر أحداً يعمل بذك بعد).. والصحيح أن الآية ليست بمنسوخة كما قال القرطبي: وكلامُ ابن عباس لا يدل على النسخ، فالأمر بالاستئذان عنده كان متعلقاً بسبب فلما زال السبب زال الحكم. وهذا يدل على أنه النسخ، فالأمر بالاستئذان عنده كان متعلقاً بسبب فلما زال السبب زال الحكم. وهذا يدل على أنه لم ير الآية منسوخة، وأنَّ مثل ذلك السبب لو عاد لعاد الحكم وهذا ليس بنسخ.
الحكم الخامس: ما هو سن البلوغ الذي يلزم به التكليف؟
أشارت الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: {وَإِذَا بَلَغَ الأطفال مِنكُمُ الحلم} إلى أن الطفل يصبح مكلفاً بمجرد الاحتلام وقد اتفق الفقهاء على أن الصبيّ إذا احتلم فقد بلغ وكذلك الجارية (الفتاة) إذا احتلمت أو حاضت أو حَمَلت فقد بلغت. فالاحتلام علامة واضحة على بلوغ الصبي أو الجارية سن التكليف وهذا بإجماع الفقهاء لم يختلف فيه أحد.. ولكنهم اختلفوا في تقدير السن التي يصبح بها الإنسان مكلفاً على رأيين:
1- مذهب الحنفية في المشهور: إلى أن الطفل لا يكون بالغاً حتى يتم له ثماني عشرة سنة ودليله قوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ حتى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} [الأنعام: 152] وأشدُّ الصبي كما روي عن ابن عباس: أنه ثماني عشرة سنة، وأما الإناث فنشوءهن وإدراكهن يكون أسرع فنقص في حقهن سنة فيكون بلوغهن سبع عشرة سنة.
2- مذهب الشافعية والحنابلة (الشافعي وأحمد وأبو يوسف ومحمد) إلى أنه بلغ الغلام والجارية خمس عشرة سنة فقد بلغا وهو رواية عن أبي حنيفة أيضاً.
واستدلوا بما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما (أنه عُرِض على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أُحدٍ وله أربع عشرة سنة فلم يُجِزْه، وعُرِض عليه يوم الخندق وله خمس عشرة سنة فأجازه).
وقالوا: إنّ العادة جارية ألاّ يتأخر البلوغ في (الغلام والجارية) عن خمس عشرة سنة فيكون هو سن البلوغ الذي يصبح به الإنسان مكلفاً وذلك بحكم العادة.
قال الجصاص في تفسيره (أحكام القرآن): قوله تعالى: {والذين لَمْ يَبْلُغُواْ الحلم} يدل على بطلان قول من جعل حد البلوغ خمس عشرة سنة إذا لم يحتلم قبل ذلك، لأن الله تعالى لم يفرّق بين من بلغها وبين من قصّر عنها بعد أن لا يكون قد بلغ الحلم، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من جهات كثيرة: «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يُقيق، وعن الصبي حتى يحتلم» ولم يفرّق بين من بلغ خمس عشرة وبين من لم يبلغها.
وأما حديث ابن عمر: أنه عرض على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أُحد.. إلخ فإنه مضطرب لأن الخندق كان في سنة خمس، وأُحد في سنة ثلاث، فكيف يكون بينهما سنة؟ ثم مع ذلك فإن الإجازة في القتال لا تَعلُّق لها بالبلوغ لأنه قد يُرَدّ البالغ لضعفه، ويجاز غير البالغ لقوته على القتال. وطاقته لحمل السلاح كما أجاز (رافع بن خديج) وردّ (سمرة بن جندب) ويدل عليه أنه يسأله عن الاحتلام ولا عن السن.
وقد تكلم بكلام كثير انتصر فيه لمذهب الإمام حنيفة رحمه الله.
الترجيح: والصحيح هو قول الجمهور لما علمنا أن مثل هذا إنما يثبت بحكم العادة، وقد جرت العادة في الأغلب على الاحتلام في مثل هذا الس، فيكون هو سن البلوغ المعتبر في التكليف. وقد نص فقهاء الحنفية على أن الفتوى بقول (الصاحبين) وهو رواية عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله أيضاً فيكون هو المعتبر، وكفى الله المؤمنين القتال.
الحكم السادس: هل يعتبر الإنباتُ دليلاً على البلوغ؟
الراجح من أقوال الفقهاء أن البلوغ لا يكون إلا بالاحتلام أن بالسن وهي سن الخامس عشرة كما مر معنا، وقد روي عن الإمام الشافعي رحمه الله أنه اعتبر الإنبات دليلاً على البلوغ، واستدل بما روي عن (عطية القرظي) أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل من أنبت من قريظة واستحياء من لم ينبت، قال: فنظروا إليّ فلم أكن قد أنبتُّ فاستبقاني.
وما روي أيضاً أن عثمان رضي الله عنه سئل عن غلام فقال: هل أخضرّ عذاره؟ وهذا يدل على أن ذلك كان كالأمر المتفق عليه فيما بين الصحابة.
وبقية الفقهاء لا يعتبرون الإنبات دليلاً على البلوغ حتى قال الجصاص إن حديث (عطية القرظي) لا يجوز إثبات الشرع بمثله لوجوه:
أحدها: أن عطية هذا مجهول لا يعرف إلا من هذا الخبر ولا سيما مع اعتراضه على الآية والخبرِ في نفي البلوغ إلاَّ بالاحتلام.
وثانيها: أنه مختلف الألفاظ ففي بعض الروايات أنه أمر بقتل من جرت عليه الموسى، وفي بعضها من أخضرّ عذاره، ومعلومٌ أنه لا يبلغ هذه الحال إلا وقد تقدّم بلوغة.
وثالثها: أن الإنبات يدل على القوة البدنية فالأمر للقتل لذلك لا للبلوغ.
والصحيح أن الإمام الشافعي رحمه الله جعل الإنبات دليلاً على البلوغ في حق أطفال الكفار لإجراء أحكام الأسر، والجزية، والمعاهدة، وغيرها من الأحكام لا أنه جعله دليلاً على البلوغ مطلقاً، كما نبّه على ذلك بعض العلماء.
قال الألوسي: ومن الغريب ما روي عن قوم من السلف أنهم اعتبروا في البلوغ أن يبلغ الإنسان في طوله (خمسة أشبار) وروي عن علي كرم الله وجهه أنه قال: إذا بلغ الغلام خمسة أشبار فقد وقعت عليه الحدود ويقتصّ له، ويقتصّ منه.
وعن أنس رضي الله عنه قال: أُتي أبو بكر بغلام قد سرق فأمر به فشبر فنقص أنملة فخلّى عنه وبهذا المذهب أخذ الفرزدق في قوله:
ما زال مذ عقدت يداه إزاره ** وسما فأدرك خمسة الأشبار

وأكثر الفقهاء لا يقولون بهذا المذهب، لأن الإنسان قد يكون دون البلوغ ويكون طويلاً، وفوق البلوغ ويكون قصيراً، فلا عبرة بذلك، ولعلّ الأخبار السابقة لا تصح، وما نقل عن الفرزدق لا يتعيَّن إرادة البلوغ فيه فمن الناس من قال إنه أراد بخمسة أشبار (القبر) كما قال الآخر:
عجباً لأربع أذرع في خمسة ** في جوفه جبل أشم كبير

الحكم السابع: هل يؤمر الطفل بفعل الفرائض والطاعات؟
استدل بعض الفقهاء من قوله تعالى: {والذين لَمْ يَبْلُغُواْ الحلم مِنكُمْ} على أن من لم يبلغ وقد عقل يؤمر بفعل الشرائع وينهى عن ارتكاب القبائح- وإن لم يكن من أهل التكليف- على وجه التعليم، فإن الله أمرهم بالاستئذان في هذه الأوقات، وقال عليه السلام: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع».
وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (نعلِّم الصبي إذا عرف يمينه من شماله).
وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (إذا بلغ الصبي عشر سنين كتبت له الحسنات ولا تكتب عليه السيئات حتى يحتلم).
قال أبو بكر الرازي: إنما يؤمر بذلك على وجه (التعليم والتأدب) ليعتاده ويتمرن عليه فيكون أسهل عليه بعد البلوغ وأقل نفوراً منه. وكذلك يجنّب شرب الخمر، ولحم الخنزير، ويُنْهى عن سائر المحظورات، لأنه لو لم يمنع في الصغر، لصعب عليه الامتناع في الكبر، وقد قال الله تعالى: {قوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً} [التحريم: 6] قيل في التفسير أي أدبوهم وعلموهم.
الحكم الثامن: ما المراد من وضع الثياب في الآية الكريمة؟
دلت الآية الكريمة وهي قوله تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ متبرجات بِزِينَةٍ} على أن المرأة العجوز التي لا تُشْتهى والتي لا يُرغب فيها في العادة أنه لا إثم عليها في وضع الثياب أمام الأجانب من الرجال، بشرط عدم التبرج وإظهار الزينة، وليس المراد أن تخلع المرأة كل ما عليها من الثياب حتى تتعرى فإن ذلك لا يجوز للعجوز ولو كان أمام محارمها فكيف بالأجانب؟ ولذلك فقد اتفق الفقهاء والمفسرون على أن المراد بالثياب في هذه الآية (الجلباب) التي أُمِرت المسلمةُ أن تخفي به زينتها في قوله تعالى في سورة الأحزاب [59]
{يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ} وهذا الإذن في وضع الجلابيب والخُمُر ليس إلا لأولئك النسوة العجائز اللاتي لم يعدن يرغبن في التزين، وانعدمت فيهن الغرائز الجنسية، غير أنه إذا كان لا يزال في هذه النار قبس يتقد، ويكاد يميل بالمرأة إلى إظهار زينتها فلا يصح لها أن تضع جلبابها.
قال القرطبي: ومن التبرج أن تلبس المرأة ثوبين رقيقين يصفانها فقد روي في (الصحيح) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «صنفان من أهل النار لم أرهما.. وذكر: ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسْنِمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا». وفي رواية: من مسيرة خمسمائة عام.
قال ابن العربي: وإنما جعلهن كاسيات لأن الثياب عليهن، وإنما وصفهن بأنهن عاريات لأن الثوب إذا رقَّ يصفهن ويبدي محاسنهن وذلك حرام.
قلت: هذا أحد التأويلين للعلماء في هذا المعنى، والثاني: أنهن كاسيات من الثياب عاريات من لباس التقوى الذي قال الله فيه: {وَلِبَاسُ التقوى ذلك خَيْرٌ} [الأعراف: 26] وأنشدوا:
إذا المرءُ لم يلبس ثياباً من التُّقى ** تقلّب عُرياناً وإن كان كاسيا

وخيرُ لباسِ المرءِ طاعةُ ربه ** ولا خيرَ فيمن كان لله عاصيا